إلى روح صديقتي القاطنة في السماء.. شذى
انتهت إجازتي في الوطن، و عدت لغربتي و شقتي الصغيرة... في الحقيقة يا صديقتي، فقد قضيت عطلة رائعة مليئة بالأحداث فالحمدلله، و الشكر له بأن صُمت رمضان على أرض الوطن. تلك الأرض التي أهدتني مآذن مساجدها روحانية عذبةً ميزت الشهر الفضيل.
ما أجمل الفجر حين يزدحم بزوغه بجموع الملائكة الطوّافة!! و همسات المُسبحين. فضلاً عن أصوات المُرتلين يجتهدون في القراءة، راجين ثواب قرآن الفجر و شهود الملائكة لهم. و ما أروع الشعور حين قيامنا و صلاتنا في المساجد، و ما أجمله من فيض مشاعر حين يختم الإمام صلاته بدعاء قنوتٍ يُبكي من سمعة. يلامس في قلوب الناس هموما و أسراراً لم يطلع عليها سوى رب العالمين. ضَيفنا الله بعدها بعيدٍ كبّرنا باسمه فيه، و حمدناه على تمام صيامنا و قيامنا، و رجوناه القبول و الرضى.
كما قابلت الجميع يا شذى، و حظيت أخيراً بتهنئة اختكِ ندى وجهاً لوجه!!. كان ذلك حين زارتني مع اختك نائلة و جزءاً من صديقاتنا في الكلية. كم أفرحني قدومهم! بدت ندى أنيقة بارتدائها تنورة فوشية اللون، و هو ما لم أعتد على رؤيتها به. كما أن طلّتها البسيطة و كُحلها الذي وضعته على الطريقة الفرنسية أكسبتها مظهراً ناضجاً لآنسة أتمت دراسة الماجستير للتو. أما الصغيرة نائلة فقد كبرت!! أصبحت الآن في التاسعة من عُمرها، و كم كانت جميلة في ثوبها الكُحلي. و بعد أن أقامت بنفسها مسابقات لجميع الموجودات.. بت أتمنى بأن تكون مثلك يا شذى. هنا و أختها نورة حضرتا أيضاً مع بنتا أخيهما لما و شهد، و أعطيتا السهرة جواً فكاهياً ... و أعادوا لي مشاع كنت أظن بأنني قد فقدتها.
سعيدة بأنني قابلت ابتهال أكثر من مرة، و سعيدة باختلافنا عن بعضنا.. و سعيدة بأنك عرفتني عليها. فبعد كل شجار ينشب بيننا أكتشف بأنني لا أهتم حقاً لذلك الإختلاف، و ما يهمني من كل الأمر أنني أحبها و أريدها بجانبي. أتممنا معاً سنتنا التاسعة، و أريد بأن تكون معي مدى العُمر، كما كنا سابقاً.. أنا و أنتِ و هي.
و قبل أن أرحل، فرحت عيني و قلبي لرؤية اسماعيل!!، أقمت له حفلة "بجامات" صغيرة! حضرته أمه و خالته أسمى و بنات جيراني العزيزات نجود و الهنوف. ألبسناه بجامة و حملناه بسعادة و غنينا له. قطعة البسكويت الصغيرة بدأت تكبر يا شذى!! و فعلاً هو يشبه أمه سارة كما تخيلته تماماً. حين عودتي بإذن الله في أقرب .. أتمنى أن أراه مرة أخرى لأرى كم كبر .
كما قضيت وقتاً رائعاً مع نجود و الهنوف! بحق.. لا أحد يستطيع إسعادي بالخروج يومياً إلى أي مكان سواهن. لا أتخيل حياتي بدونهن، و لا أعتقد بأن أمي تتخيل حياتها بدون أمهن الخاله مها "أم نواف".
و أزف لكِ بشرى بأن أخي أحمد قد أتم خطبته على "نورة" و لله الحمد. و تحلّقت حولي مع أخواتها، فأهدوني شعوراً رائعاً لا يوصف.
هاجر، فاطمة، مريم، سميرة، منيرة، و نورة .. سعيدة بانضمامي لعائلتكن. و أتمنى من قلبي أن يتم كل شيء بين أحمد و نورة على خير بإذن الله. و أن أرى أخي خالد عريساً أفرح به، و مديراً تبلغ سمعته آخر الدنيا، و أن أحكل عيني بمرأى أختي الجازي و احتضانها قريبا.
و في منتصف شهر أغسطس، ودعت أمي.. و استودعتها قلبي الذي ظل طوال مدة مكوثي في الوطن في أحضانها، لا أستطيع وصف امتناني لها.. فقد أسعدتني هذه الإجازة بكل ما تمنيته و أكثر، و لا أتخيل أن أماً ستصنع لابنتها السعادة كما صنعتها أمي لي. فيا ربي أطل في عمرها و ارضها بما تتمنى.
عدت بعدها إلى مدينتي الهادئة المحاطة بالجداول الصغرة، عدت لأرى الجو متقلبٌ يا شذى.. لكن بشائر الخريف هلّلت علينا. و بدأت المحلات تتسابق كالعادة لعرض بضائع thanks giving .. أو ما يسمونه بعيد الشكر. و انهالت الواجبات علي بمجر أن بدأت، لا زالي علي أن أسلم واجبات لمادتين، لكنني قررت إعطاء نفسي إجازة اليوم.. و أن أذهب لذلك المكان الذي أحبه.
تعلمين يا شذى، بأن لكل شخصٍ مكان يرتاح له و يحب أن يتردد عليه لما يجد فيه من الراحة و الأمان. و أنا عندي مكان كهذا، ريفٌ في وسط المدينة.. مزرعة يقطين صغيرة!! منزوية و ليس الجميع يعرفون الطريق إليها.
ليست مزرعة حقيقية!! بل محل مصنوعات يدوية في أحد أركان المجمع القابع خلف شقتي. اسم الحل Old Farm أو المزرعة القديمة.
أعتبر ذلك المحل بمثابة كوخي الريفي البعيد عن صخب المدينة، ما إن تطآ رجلي مدخله.. حتى تأخذني رائحة القرفة و اليقطين إلى مزارع ولاية أوهايو الجميلة. كل شيء في ذلك المحل صنع يدوياً و بالوان الخريف الدافئة، و لن تجدي سنتيمتر واحد على الأرفف خالً أبداً.
المكان كله مليء بالتُحف الخشبية يدوية الصنع، و مناديل القماش المطرزة على الطريقة التقليدية، و منقوشٌ عليها عبارات جميلة عن العائلة، الأصدقاء، الأم، الأب، الإخوة و الأخوات، و البيت!
و كأنني أرى ذلك الكوخ الخشبي الجميل في وسط المزارع، حيث تحلق جميع أفراد العائلة حول المدفئة!! كلٌ منهم يصنع شيئاً ما.
الأم و البنات يطرزن المناديل و المفارش، و الأب يصب قوالب الشمع و يضيف لها العطور منزلية الصنع لعمل الشموع. و الجدُ يعلم الأولاد كيفية حفر التحف الخشبية و طلائها... و هناك من يصنع صحوناً خزفية كزينة تعرض على "ستاندات" معدنية مرسومة بنقوش ظريفة و مزينة بعبارات دافئة عن البيت، الأهل و الأصدقاء. بالإضافة إلى خزائن كبيرة يدوية الصنع، قد ملئت بالشمعدانات و التحف الصغيرة و الكبيرة. و نماذج ثمرات اليقطين التي تمثل عيد الشكر عندهم، و منسوجات و كتب طبخ تقليدة مليئة بالصور التوضيحية. و آخر يرسم لوحات بسيطة تُظهر البيت و المزرعة... و عبارات امتنان لله على نعمتة بإتمام الحصاد.
و أحد الأركان يا شذى يحتوي على صفوفٍ عديدة من ورق الجدران كالذي كنا نشاهده في الأفلام القديمة! و بنفس تلك النقوش التقليدية ، بجانبها صناديق خشبية تصلح كعلب هدايا!، مصبوغة يدوياً و مكتوب عليها عبارات ساحرة! و بألوان جميلة هادئة.
تخيلي بأن تهدين جدتكِ عُلبة كتب عليها
there is no place on the earth is more beautiful than my grand mom's house
"ليس هناك مكان في العالم أجمل من منزل جدتي". أو أن تُهدي صديقتكِ تعليقة مفاتيح جميلة مصنوعة من الخزف، نقش عليها
you are my every thing
"أنت كل شيء بالنسبة لي"
كوخي الصغير يا شذى مليء بالمشاعر!! انتشرت في أركانه تذكارات تصلح كهدايا لطيفة. تسرقني بساطة كل ما في ذلك المكان عن صخب المدينة و إزعاجها.. إنه أشبه بامتلاك كوخ ريفي في وسط المدينة!! كلما هممت بشراء شيء ما منه، أخرج و أنا خالية اليدين و أقول في نفسي.. أريد المحل كله!!
صديقتي، كنت أظن بأن صناعة شيء "بحب" أمر لا وجود له و عبارة تُذكر في الكتب فقط.. لكن كل شيء في كوخي ينبض بالأحاسيس!، أحاسيس ضيعوها الناس تحت أضواء التكنولوجيا، وعبر آلاتها الباردة.
قرأت مرة في كتاب "كخة يا بابا" لكاتبة الأستاذ عبدالله المغلوث.. بأن كتابة الرسائل الإلكترونية تنزع الحياة من الأحرف، و تكسبها برودة مقيتة! فلا أجمل من كتابة رسالة بخط اليد! و إرسالها لمن نحب!!
تخيلي السعادة التي ستعتريكِ، لو أن أخوك "يحيى " قد بعث لك مكتوباً بخط يده من مدينة في الغربة! أو أن هناك بطاقة بريدية مكتوبة بخط يد صديقتك هند كثيرة السفر قد وصلتكِ في أحد الأيام؟!!
كان هناك تقليد قديم و جميل هنا.. بإهداء شيء تصنعه بنفسك لمن تُحب! و هنا الفكرة.. !!أن تصنعه بيديك و قلبك، كما كنتِ دائماً تغلفين هدايا صديقاتك و أهلك بيديك، فتستحيل تلك العلب تذكارات لطيفة لا تُنسى.. كذلك كما جميع الأشياء في كوخي الصغير.
صديقتي..
أردت عمل شيء مميز لحفلة استقبال مولود سارة "اسماعيل".. فاشتريت حبات الشوكولاته، و قمت بتصميم أغلفة لها بنفس ألوان تجهيز الحفل!! كم كنت سعيدة و أنا أغلفها بورق منقوش و شرائط باللونين "التفاحي، و البيج" و ألصق عليها عبارة
Welcome Ismail .. Gift of July
كنت أستطيع طلبها ممن يعملن في مجال تجهيز الحفلات و هن كُثر، و لكن.. لا شيء أجمل من عمل شيء لمن تحب بيديك.
صديقتي، سأظل أزور كوخي الصغر و أتفقد المزرعة القديمة من فترة لأخرى، سأزورها كلما افتقدت تلك الأحاسيس التي تتوشح بها كل قطعة في ذلك المكان. سأظل أعود لذلك المكان بإذن الله، و أتخيل بأنني في رحلة قصيرة ... أضع أحزاني في صندوق خشبي في مدخل المحل، و أتجول بين محتوياته.. و أستمتع بكل "الحُب" الذي صُنعت منه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
بعد أن تذوقت فنجان القهوه..اترك لي ملاحظه