الاثنين، 14 أكتوبر 2013

أول مرة، و شعور مُختلف،،


إلى روح صديقتي القاطمة في السماء.. شذى



أبعث إليك بهذا المكتوب لأخبركِ بأن الخريف قد نزل ضيفاً على مدينتي الصغيرة، فاصطبغت بألوانٍ دافئة جميلة تُحيي في النفس مشاعر ألفةٍ و حنيناً لذكرياتً ولّت مع أصحابها.

 أتعلمين يا صديقتي؟ كنت فيما مضى أعتقد بأن أوراق الأشجار تلك، هي بدعة افتعلها الرسامون!
 يتفننون في تلوينها ورقة ورقة، بالبرتقالي، الأحمر الداكن، البني، البنفسجي الخفيف، و الأصفر. هكذا بترتيب معين، فتستحيل منظراً من نسج الخيال، حقاً لم يخطر ببالي أنها من إبداع الخالق سبحانه. 
مع عودة الخريف، بدأت الأشجار تُغير ألوانها، فمنها من خلع ردائه الصيفي بالفعل، و اكتسى كنزة بدرجات الأحمر و البرتقالي. و منها من بدأت قممها تدريجياً بالتمايز، و كأنها تحاول مقاومة الإنضمام لمهرجان الخريف، و تأبى خيانة الخضرة الصيفية التي اكتست بها طوال الأشهر الماضية منذ بداية أيّار، و حتى نهاية أيلول. و من تلك الأشجار من استعجل رحيل الصيف! فتعرى من أوراقة باكراً هذا العام. 
و بعيداً عن الأشجار و ألوانها، فقد لاحظت أن بطات حينا السكني قد بدأن انسحاباً تكتيكياً من البركة القريبة و تلك المجاورة لحينا. لم أعد أرى جموعهن كثيراً. بدأت أفتقد تصرفاتهن المتعجرفة حين يتماهلن في العبور إلى الجهة الأخرى من الشارع. لتعطل جموعهن السيارات المستعجلة. و لا عجب! فالطقس أضحى متقلباً بشكل مزعج،  الأمر الذي ترك حتى سكان المدينة في حيرة من أمرهم بشأن ما يرتدونه. فلن أستغرب حينما أخرج إلى مكان عام، و أرى أن هناك من يرتدون ملابس صيفية خفيفة، و آخرون يرتدون كنزات ثقيله، و يسيرون في نفس الشارع!
و مما استجد أيضاً، أن سناجب حرمنا الجامعي قد بدأت نشاطاً غير معتاد!! حيث بدأت بالعمل جدياً في تخزين حبات البندق و سرقتها من بعضها البعض. ربما أكون الوحيدة يا شذى التي تستمتع برؤية تلك الشجارات المضحكة قريباً من جذوع الأشجار المصطفة على الطريق المنحدر، و المؤدي إلى فصولنا الدراسية. يضع أحدها حبة البندق في فمة و ييسلق جذع الشجرة في عجل، بينما يحاول أخوه جره إلى الأسفل بإستماته. فينتهي المطاف بحبة البندق و قد استولى عليها سنجاب ثالث كان يشاهد المعركة من بعيد. و ينتهي بي المطاف إلى الركض نحو المكتبة بعد أن أضعت عشر دقائق في مراقبة معركة السناجب على حبة البندق!

صحيح بأنها ليست هذه هي المرة الأولى التي أعيش فيها جو الخريف هنا، و الذي ينبئ بقرب عيد الأضحى المبارك، كل عامٍ و أنتِ بخير. و مع أنها ليست المرة الأولى، لككني أستمتع بها كثيراً.

دائماً ما تترك التجربة الأولى في نفوسنا أثراً لا يمحى، لا أبالغ حينما أقول لكِ بأنني أتذكر تجربتي الأولى في كل أمر من أمور حياتي.
أتذكر أول مرة ذهبت فيها إلى الروضة، و أول مرة لبست فيها الزي الموحد لطالبات الإبتدائية. أتذكر أول مرة ركبت فيها الدراجة، و كم سقطت و تألمت وقتها. كما أذكر أول مرة قمت فيها بتهور بالخروج من المنزل و التوجه إلى المدرسة التي تعمل فيها أمي، كان ذلك حينما كنت أبلغ من العمر ست سنوات، و يومها تأخرت أمي في المدرسة إذ كان لزاماً عليها أن تنهي تصحيح أوراق الطالبات وقت الإختبارات النهائية. انتهت تلك التجربة بالتوبيخ و العقاب، لكنني على الأقل عرفت لم تأخرت أمي عن المنزل. أذكر أول مرة قابلتكِ فيها يا شذى..

 الصف الأول الإبتدائي...
 ها أنا أسير مزهوة بنفسي، فقد كانت أمي أحد المدرسات في نفس المدرسة، و استفادت من ذلك بأن جعلتني أدرس سنة تمهيدية "كمستمعة" مع أختك ندى التي تكبرك بعام.
 أذكر حينما أشرت إليكِ بكل برائة، في أول لقاء لنا...  حينما تحلّقنا على أرضية الصف في أول يومٍ لي كمنتظمة في صفوف المدرسة الإبتدائية، و قلت بصوتٍ عالٍ "أنا أعرف أختك"!  
أذكر أول مرة ألقيت فيها الشعر على خشبة مسرح المدرسة يا شذى، واثقة من أنكِ تتذكرين ذلك أيضاً، و أذكر أول مرة مثّلنا فيها معاً، و أول مرة كتبنا فيها نصً و حواراً لمسرحيةٍ قمنا بالمشاركة بالتمثيل فيها في الكلية.
أذكر أول مرة أصبحت فيها خريجة، و أول مرة لي كموظفة، و أول يومٍ لي كمبتعثة.

لكن، هذه المرة مختلفه يا شذى، فهي المرة الأولى التي يمر علي فيها العيد بدون أن أكون قريبة من أمي.
 هذه هي المرة الأولى التي لن أسمع طرقها على باب غرفتي في صباح العيد الباكر، تستعجلني النهوض حتى أتجهز للخروج و معايدة الأقارب. و هي المرة الأولى التي لن أسحب فيها بطانيتي و أقول بتذمر بأنني لم أنم جيداً ليلة أمس، لأعود للنوم بكل كسل.
و المرة الأولى التي لن تدخل أمي علي و أنا نصف نائمة، لتسألني عن رأيي فيما سترتديه. و عما إذا كان الإكسسوار مناسباً لثوبها أم هل من الأفضل أن تستبدلة بقطعة من الذهب.
هي المرة الأولى التي لن أقوم متكاسلة لأسألها نفس السؤال: "وين بتروحين؟". و كأنني لا أعرف الإجابة، لأنتظر أن تخبرني بالتفصيل عن وجهتها، فأبتسم ابتسامة نعسانة و أحتضنها، ثم أولي إلى فراشي. لتستوقفني و تقول" ما باركتي لي العيد"!!
كيف أبارك لك العيد و أنتِ عيدي؟ هذا ليس منطقياً أليس كذالك يا شذى؟
هذه المرة الأولى التي لن أرى فيها تعابير وجه أمي الهادئة و هي تبتسم لي، و تنظر إلى نظرة متفحصة لا تخلو من انتقاد لمكياجي أو ملابسي. تريدني الأفضل دائماً.

أمي..
كنتِ و ما زلتِ عشقي الذي لا أستطيع الحياة دونه. سأنام ليلة العيد و أنا أضم "شرشف" الصلاة خاصتك كما كنت أفعل في الماضي عند خروجك من المنزل. سأتمنى أن أضمك يوم العيد و أقول لك "كل عام و أنتِ بخير".
سأتمنى لو أن لي القدرة على إرسال باقات وردٍ بعدد الثواني التي بت فيها بعيدة عنكِ، و أغلفها بعهودٍ أن أعود إليك بإذن الله حاملة شهادة تفخرين بها.
أمي..
من غربتي، و على بعد لآلآف الأميال، و لأول مرة و أنا بعيدة...
 أقول لك بأنني أحبك، و أنكِ كنتِ و لا زلتي فرحتي التي لا تنتهي، بطانيتي الدافئة حينما أحتاج إلى الدفئ، و صندوق أسراري عندما أحتاج إلى البوح.
فكل عام و أنتِ أغلى ما أملك.. و كل عام و أنا أحبك أكثر..
أحبك أمي..
 

 

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

مبدددعه راقت لي جميييل اسلوبك ♥♥♥♥ ربي يسعددك

غير معرف يقول...

احساسك مره جميل وقريب من القلب مثل وجودك بحياتنا
دنيا المدني 

إرسال تعليق

بعد أن تذوقت فنجان القهوه..اترك لي ملاحظه