الخميس، 11 يوليو 2013

العائلة الصغيرة.. تَكبُر!!


إلى روح صديقتي القاطنة في السماء.. شذى

هبطت طائرة الخطوط الجوية السعودية في مطار الملك خالد في الرياض، و أعلن مُساعد الطيار عن وصولنا بالسلامة.
و في الحقيقة، حتى بعد أن أعلن أن  الوقت المحلي هو الثانية ظُهراً، و أن درجة الحرارة في الخارج تُقارب الأربعة و الأربعين مئوية! كنت لا أزال أُحدق في النافذة الصغيرة المُجاورة لمقعدي و أتنهد!

لم يكن هناك من منظر أتأمله بالطبع!! باستثناء الأميال المربعة الممتدة من الصحراء، و مباني المطار المتفرقة التي تظهر تحت وهج شمس الظهيرة و كأنها سراب.
 كان فكري مشغولاً كثيراً، كنت أفكر فيما حدث و ما سيحدث. و قطع حبل أفكاري نداء والدي لي للاستعداد للنزول.
حسناً يا شذى.. لقد عدت للوطن!!
لم يكن استقبال مطار الملك خالد لي حميماً، فقد مكثت و والدي ساعتان بالضبط و نحن ننتظر التقاط حقائبنا البالغ عددها ثلاث حقائب فقط!، ثم أهدرت ساعة أخرى و أنا أحاول باستماته جعل هاتفي النقال زهيد الثمن، و الذي اشتريته من الولايات المتحدة بصفة مؤقته بعد أن تعطل هاتفي فجأة. أردت أن أجعله يتصل بأحد الشبكات المفتوحة في المطار.

انتظار طويل، ثم رحلة قصيرة إلى مطار الملك فهد في الدمام، لينتهي بي المطاف في سيارة أخي خالد متمددة في المقعد الخلفي و قد أنهكني التعب، بعد رحلة دامت ستة و عشرين ساعة.
يمر الوقت.. و لا زلت أُفكر.
حتى وصلت إلى البيت!! عانقت أمي بشوق و بكيت! كان حضنها دافئاً كما اعتدته.. نظرت إلي ملياً ثم عانقتني مرة أخرى.
كنت أثرثر لها عن كل شيء.
ألتفت إليها كل دقيقة لأقول لها أنا أحبك، و أعتقد بأنها سأمت مني! لأني يوم أن قلت لها بأن بنات الجيران ينتظرنني قالت لي "اذهبي إليهن في الحال"!!
لقاءاتي بالكل كانت رائعة!! و سأحدثكِ في مكتوب لاحق عن تلك اللقاءات، بما فيها لقائي بابتهال، التي و أخيراً رأيتها بعد سنة كاملة.

كان اليوم هو الجمعة، الخامس من شهر يوليو.. و كنت أنا أنتظر على أحر من الجمر.. حتى أخبرتني أسمى بأن أختها سارة قد أُدخلت المستشفى و بأن ولادتها باتت وشيكة.

إنها سارة يا شذى!! أذكر جيداً كيف كانت ردة فعلي حينما أخبرتني بأنها و زوجها فيصل قد تلقوا خطاب I-20 للدراسة في معهد اللغة التابع لجامعة University of Dayton
غمرتني السعادة و أنا أتخيل ذلك! ستكون لي صحبة رائعة في الغربة، لن أحس بالوحدة المقيتة..

كما أنني لا زلت أذكر أول لقاء لي معها في شهر سبتمبر الماضي، كانت الرياح القوية قد أفسدت نزهتي معها إلى الحديقة القابعة في الساحة خلفنا، و التي تحتوي على كرسي طويل متصل بطاولة، بالإضافة إلى بعض ألعاب الأطفال.
عدنا بعدها إلى شقتنا لنكمل الحديث عن انطباعاتها الأولى عن المدينة و عن السفر!
كنت في تلك الفترة لا أزال اعتبرها أخت صديقتي أسمى، و شيئاً فشياً أصبحت أحس بقربها مني.
عشت معها فتره رائعة حين كنت لا أزال أدرس في معهد اللغة، نخرج كثيراً إلى السوق المجاور لمدينتنا، كما نحضر العديد من المناسبات سوية.
و كم غمرتني السعادة حينما أخبرتني بأنها حامل!! فمنذ لك الوقت و أنا أتساءل ماذا سيكون جنسه! و كيف سيبدو؟
أحببت طفلها قبل أن أعرفه، قبل أن أراه، و قبل أن يكبر.
كنت أراقب بطنها يكبر ببطيء، و أتجنب التحديق فيه لكي لا أزعجها. و مهما يكن، أحاول بقدر المستطاع إبعادها عن أي ضغط و إن حصل أتراجع بسرعه. أخجل من إظهار اهتمامي لها، و أنفعل بشده متى ما همت بحمل طفل أو شيء ثقيل.

تقلبات المزاج و التعب الذي بدأ يظهر عليها حين بذلها بعض الجهد كان من البديهيات، لكنه يقلقني.
فسارة أول صديقة لي أشهد مراحل حملها كاملة.
مرت الأشهر متوالية، و حدث أن رأيت سارة في المنام ..و قد كانت و اياها في مجلس جميل  على الطراز الأمريكي. كانت بعض صديقاتنا في الغربة موجودات أيضاً، ضحكت سارة و هي تخبرنا بأنه قد نسيت مكان شيء ما..
كانت جدران الغرفة مصبوغة باللون الأزرق الخفيف، ثم ما لبث أن نزل من الدرج  طفل صغير ذكر!!
كان واضحاً بأنه قد تعلم المشي حديثاً ، ركض مسرعاً إلى سارة و حملته.

بشرتها بأنه صبي، الأمر الذي لم تتأكد منه إلا بعد بلوغها الشهر السادس تقريباً. بعدها أصبحت مولعة بالتقاط أزياء الرضع!! و هي أصبحت شغوفة أكثر بالأطفال الصغار.
كانت روح طفلها تتنفس منها، يوماً بعد يوم.. كانت سارة تهِبُ طِفلها الحياة.. و تحبه أكثر فأكثر.

كانت سارة تسير في طابور طويل، مسيرته تسعة أشهر. منتظرة ذلك اليوم الذي ستضُم فيه طفلها، يوم ستكون أُمها و أختها بجانبها.

في يوم الثالث عشر من شهر يونيو.. وصلت أسمى و الخالة نوال بالسلامة، حين كانت سارة قد أتمت شهرها الثامن و بدأت رحلة الشهر الأخير.
عشت معهن كل تلك المغامرات، و لحسن الحظ بأنها لم تكن موجودة حين تهنا في حديقة الولاية!! لكانت قد وضعت مولودها مما رأيناه  هناك!!
بالرغم من أنني لم أُقصر في تعريض حياتهن للخطر أكثر من مرة..!
ممم، ليس كثيراً ربما لمرتين أو ثلاث!. الأولى حينما كنت أصل سارة إلى الجامعة، و مع الاندماج في الحديث ضللت طريقي و دخلت بالخطأ مخرجاً على طرف الشارع. و كان ينبغي علي أن أدخل المخرج الذي يليه!!
و تحت وطئه التوتر طبقت النظرية التي تقول بأن الرجوع من حيث أتيت يُصلح مسارك.. غامرت بجنون!! و ذلك بمحاولة الرجوع إلى الخلف بالسيارة من المخرج و العودة إلى الطريق الرئيس!
تلك المحاولة التي انتهت بنجاتنا من اصطدام بعدة شاحنات كانت تعبر المخرج! و مساعدة رجل أمريكي لنا بعد أن طفح كيله و هو يصف لنا الطريق الصحيح. أمرنا بأن نتبعه إلى الطريق المؤدي إلى لجامعة، و انتهت تلك المغامرة بأن تأخرت سارة عن صفها مدة نصف ساعة.
و المرة الثانية حين كنا متجهات إلى متنزه Indian Rifle عائدات من سوق منطقة Greene.
كان يتوجب علي الالتفاف يساراً و السير حتى أول منعطف يساراً. و لأنها كانت المرة الأولى التي أسلك فيها هذا الطريق، و مرة أخرى كنت منهمكة في الحديث معهن!! لم أنتبه بأن الشارع كان ذو أربع مسارات ذهاباً و أربع مسارات إياباً.
و حيث أنني ظننت بأن نصف تلك المسارات للذهاب و نصفها الأخر للإياب.. دخلت عكس السير في الشارع!!
كانت الخالة نوال تجلس في الأمام و كلٌ من سارة و أسمى تجلسان في الخلف، و لم أستوعب فداحة المشكلة إلا حينما قالت لي الخالة نوال بصوت واهن " لا يا سارة مو هنا".
ظننت بأنها النهاية، حينما صرخت أسمى لتخبرني بأن أذهب لليمين!! و أحمد الله بأن جميع سائقي السيارات كانوا لا يزالون تحت صدمة  سيارة الهوندا ذهبية اللون التي كانت تسير أمامهم بعكس اتجاه السير!
لست فخورة بهذا يا شذى، لكنها حقاً كانت مغامرات لا تُنسى.

 و بعيداً عن كل ذلك، دعوت الله كثيراً أن أرى صغير سارة قبل أن أرحل! أردت أن أراه، و أن أعطيه اصبعي ليمسكه. و أن أتأمله و هو يفتح عينيه بصعوبة محاولاً تمييز العالم الجديد الذي قدم إليه.
تخيلته في وزن الألعاب، ذو رائحة تشبه زهور اللافندر، كثير البكاء!!
تخيلته ذو شعر أسود فاحم كشعر أمه، و كم تمنيت أن يمتك تلك النظرة الوديعة التي تمتلكها سارة.
أردت التقاط العديد من الصور معه، لأريها له حين يكبر. أردت أن أساعد سارة في تبديل ملابسه و إطعامه، كنت أريد أن أضعه بنفسي في ارجوحته التي أحضرتها له!! أردت أن أقول له باختصار "حسناً يا صغير، أنت تعني لي الكثير"!!

كان الوقت قريباً من الظهيرة يوم الجمعة، حينما أُدخلت سارة إلى المستشفى على اعتبار أنها "حالة ولادة".
كنت مع أسمى منذ ذلك الوقت لحظة بلحظة، ما اضطرني إلى تغير هاتفي النقال على الفور! لأكون معها على اتصال دائم.
بدأ مخاضها منذ الساعة التاسعة مساءً، و استمر إلى الثانية إلا ربعاً ظهراً من يوم السبت.
كنت أنام و هاتفي بين يدي، أقوم فزعة لأسئل أسمى عن الأخبار، و كانت أمي تراقبني بقلق و تقول لي بأن كل شيء سيكون على ما يرام.. و أن كل ما تمر به سارة طبيعي.
كنت أقول لأسمى أن تتحلى بالقوة!! و في الحقيقة كانت تلك القوة تنقصني. ربما عدم وجودي معهن كان خيراً و إلا لكن واجهن سارة تبكي، و سارة الأخرى تبكي لبكئها.
اقتربت الساعة من الثانية ظهراً حين قرر طبيبها بأن الجراحة باتت ضرورية. فنبضات قلب الجنين أصبحت ضعيفة ، ولم يعد يتحمل المكوث في الرحم أكثر.

نصف ساعة مرت...

أكاد أحس بأنفاسهن المتسارعة و هن يدخلن جناح الولادة.. أكاد أرى دموعهن و هن ينظرن بحب لكتلة اللحم الصغيرة الممددة بجانبها، أكاد أسمع صوت بكائه المبحوح!! محاولاً التقاط أنفاسه الأولى خارج رحم أمه، الذي قضى داخله تسعة أشهر.
و أكاد أرى سعادة سارة بانتهاء كل ذلك..  أقسم لك يا شذى، بأنني أحسست به!!

كانت أسمى على وشك البكاء و هي تريني صورة الطفل! و تخبرني بأنه صغير جداً.. أسمعتني صوته..
فغمرني شعور حب عارم له!!
إنه يُشبه سارة كثيرا!! أو لأنني أحببته أراه يُشببها إلى هذا الحد؟
لم تكن الصور تشبعني أبداً أردت أن أراه و أن أحتضن سارة لأقول لها من أعماق قلبي "مبارك يا أم إسماعيل"..

نعم يا صديقتي، قدم "إسماعيل" أخيراً إلى هذه الدنيا، ليتولى عهد عائلة صغيرة، و ليزيد عدد أفرادها.
جاء ليهدي الخالة نوال لقب "جدة" و لهدي أسمى لقب "خاله" و ليهدي سارة لقب "ماما"..
و أنا أيضاً يا شذى أصبحت خاله!!
و أصبحت أتطلع لرؤيته و احتضانه، مهما ابتعد ذلك اليوم فسأظل أنتظره بشوق و شغف. سأنتظر اليوم الذي أحمله فيه و أتأمله.
و بالتأكيد سألتفت إلى سارة و أقول لها " يشبهك"!!
أنا في غاية السعادة يا شذى، و أتمنى من كل قلبي أن يرزق الله سارة و فيصل بِر طفلهما إسماعيل، و أن يجعله من الصالحين..
صلاح إسماعيل ابن نبينا ابراهيم عليهما السلام..
و ها أنا أتساءل يا شذى.. فيما لو كانت أختي الجازي بصحة و عافية، ثم أنجبت طفلاً
تُرى.. هل كُنت سأُحبه كل هذا الحُب؟

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بعد أن تذوقت فنجان القهوه..اترك لي ملاحظه