الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012

من الشَـرق إلى الغَـرب


إلى روح صديقتي القاطنة في السماء.. شذى

دائماً ما كنت أسمع الحكايات القديمة عن الغرب الأمريكي. و أتصور تلك المنطقة كما في أفلام هوليوود، أميالٌ من الأراضي القاحلة و الكثير من المناطق السياحية ذائعة الصيت. تتباين تضاريسها جغرافياً من صحراء ثم جبال فسواحل منبسطة مطلة على المحيط الهادي. 


و لأجل ذلك الصيت و كل تلك الداعية و التي غالباً ما  كنا نسمعها من أناسٍ زاروا تلك المناطق, قررَت أمي أن نذهب في خلال ما تبقى من إجازتي إلى الغرب الأمريكي و بالتحديد إلى ولاية California . أجل يا صديقتي، تلك الولاية التي يصل فارق التوقيت فيها عن سكان المملكة إلى عشر ساعات. هي هناك تقبع في أقصى الغرب، تحتوي أكبر تكدس للسكان في الولايات المتحده، ثلاثاً من أكبر مدنها، و ساحلاً طويلاً مطلاً على المحيط.
 
قطعنا المسافة يا صديقتي من الساحل الشرقي و حتى الساحل الغربي في ستِ ساعات. نمت بعدها كالأطفال لأستيقض في مدينة Los Angeles أكبر مدن الولاية. اسم المدينة مأخوذ ٌمن الإسبانية بمعنى "ملائكة"، و أنا حقاً لا أعرف الصلة بينها و بين الملائكة ! فهي مدينة مختنقة بقاطنيها، مترامية الأطراف، خالية من جمال الطبيعة إلا باستثناء أشجار النخيل المنتشرة فيها، بعض نباتات المناطق الحارة، و الكثير من نقاط الجذب السياحي.
و ينبغي أن أقول يا صديقتي بأن انتقالي من جو ديتون البارد جداً ،إلى جو لوس أنجلوس الحار جداً  في نفس اليوم قد اصابني باظطراب بسبب الفارق الشاسع في درجات الحرارة بينهما. كنت أنسى لوهلة بأنني في الولايات المتحدة  حينما أتكئ على نافذة السيارة  و أتأمل الطرقات. كان كل شيء يبدو مألوفاً، و كأنني أتمشى في أزقة المنطقة الشرقية. بالتحديد في شوارع مدينة الخبر القديمة، خصوصاً في طريقي من مطار لوس أنجلوس إلى وسط المدينة. أشجار النخيل فارعة الطول التي تمتد على أطراف الشوارع و في بعض الأحيان بشكل عشوائي بين المباني القديمة تعكس عدم الإهتمام!. من الواضح انه لا يوجد من يقوم بالعناية بها، فسعفها الميت لا يزال معلقاً على أطرافها دون إزاله.

خلال رحلتي لهذه الولاية زرت منتزه Disney Land ، استديوهات Univirsal، و شاطئ Long Beach. استمتعت كثيراً و الحمدلله. كانت خطتنا تقتضي بأن نزور مدينة San Diago  في أخر يومٍ لنا قبل رحلة العودة، و ذلك تلبية لدعوة "أريج"، صديقتي و زميلتي في العمل. 
أريج  و التي تعرفت عليها منذ ثلاث سنوات، و بالتحديد منذ أول يومٍ عملٍ لها. في بداية الفصل الدراسيٍ، و حينما دخلت إلى مكتب قسمنا ( Computer Science Department) و رأيت شخصاً غريباً يجلس بهدوء إلى أحد الطاولات. كانت طويلة و رزينة ذات ابتسامة واسعة و وجه مريح، ترتدي ملابس رسمية و أنيقة مناسبة لأستاذة في الجامعة. تقدمت إليها و بكل بساطة سألتها " انتي تدَرِسين هنا؟، ايش اسمك؟". علمت بان اسلوبي كان طفولياً بعض الشيء، بعد أن شاهدت نظرة الإستغراب على وجهها و كأنها تقول " انتي من وين جيتي؟" لكنها جاوبتني بهدوء "أريج" . و علمت فيما بعد بأنها كانت تظن بأنني  مجرد طالبةٍ فضولية، ربما بسبب قصة شعري القصيرة و اسلوبي  العَفَوي.
كانت تكبرني بعدة سنوات، و بالرغم من انه لم يكن بيننا الكثير من الصفاة المشتركة إلا أننا في وقت قصير أصبحنا قريباتٍ جداً من بعضنا. كانت قد أنهت دراسة الماجستير في أحد جامعات أستراليا حين أرسلت سيرتها الذاتية إلى الكلية الجامعية، و التي أجرت مقابلة معها عبر شبكة الإنترنت و قبلتها مباشرةً. فجائت إلى الجبيل لتعمل كمحاضرة في قسم علوم الحاسب. أريج من سكان مكة المكرمة، من أطهر بقاع الأرض، عادت من غربة و استقرت في غربة. كانت تقطن في سكن الموظفات التابع للجامعة، و تأتي كل يومٍ متأخرة بسبب انظباط باقي الموظفات الأجانب و التزامهن بمعيار "الساعة السابعة صباحاً". يأتينَ بالحافلة من سكن الموظفات و حتى الحرم الجامعي. كنت أبتسم بسعادة حينما أراها تدخل من باب المكتب و على وجهها ابتسامة عريضة، و في معظم الأحيان تحمل في يدها كوب "كابوتشينو" من أحد المقاهي القريبة من الجامعة.
في العادة تكون علاقتي بموظفات الجامعة رسمية، أما أريج فأعتبرها أختاً لطالما حدثتها بكل أريحية، أكون معها كما أنا. دائماً ما كنا نخرج سوياً لتناول الغداء بعد انتهاء الدوام، و نثرثر  لساعات طويلة في مطعمنا المفضل "اليخت" إلى أن يضجر عمال المطعم و يطلبوا منا صراحة الإسراع في الخروج. الكثير من المواقف المضحكة تشاركناها سوياً. لم تغير الأيام علاقتنا أبدا.أذكر أحد المواقف حينما كنا لا نزال موظفتين جديدتين، كانت فترة امتحانات، ساعتها دخلت جميع الطالبات إلى قاعاتهن. كنا أنا و إياها نرتدي زياً رياضيا ذو ألوانٍ متناسقة بالصفدفة، و نتمشى في الممرات الخالية إلى كافاتيرا الجامعة لنشرب قهوة الصباح. عندها فاجأتنا إحدى الستاذات الأجانب بنبرة ساخطة قائلة " لمَ لستن في قاعات الإمتحان"؟. تباً، حتى هي اعتقدت بأننا طالبات. ضَحِكَت بصوتٍ عالٍ بعدها حينما عَلِمَت بأننا أستاذتين. كانت أيامنا معاً جميلة جداً، و لم يتبدل شيء إلا عندما أتت زميلة أخرى و انظمت لقافلة الأستاذات "الفلّله". من أرض تونس الخضراء، كوثر العشرينية ذات التفكير المُقلِع و صاحبة مبدئ " اطلب الموت توهب لك الحياة". جاورت أريج في سكن الموظفات، و كانت تغلب على كلماتها المفردات الفرنسية بحكم استعماره لبلادهن فترةً طويلة. ذات شخصية قوية، ثقافة عالية، و أفكار مجنونة. تعمل كمحاضرة في قسم هندسة الديكور. كنت في بداية علاقتي بها ابتسم ابتسامة جوفاء حينما أستمع إليها، و ألتفت إلى أريج بنظرات يائسة لأطلب منها ترجمة ما قالته الآنسة "كاكا".
كانت علاقة أريج بكوثر أشد بحكم سكنهن بجوار بعضهن، بعدها أصبحت مغامراتنا أكثر جنوناً و أكثر اندفاعاً. أذكر في أخر فترة دوامٍ لنا قبل الإبتعاث، حينما اتفقت مع أريج و كوثر على تناول الغداء في أحد المطاعم. أنهتا أعمالهما و أخذتا الإذن للخروج. لكن رئيستي المباشره في ذلك الوقت كانت خارج الجامعة في أمرٍ ما و لا أستطيع ترك المكان دون إعلامها. غمزت لأريج و كوثر و اتصلت برئيستي، أخبرتها أن أمراً طارئاً قد حدث و أنني يجب أن أغادر فوراً. و بعد ربع ساعة..
كنا نسير بسعادة إلى مطعمنا حينما اكتشفت بأن الله قد عاقبني بنسياني لمحفظتي في درج المكتب و أن كوثر قد نسيت إحضار محفظتها أيضاً.. و تناولنا الطعام جميعاً على حساب أريج. و بالرغم من ذلك، قضينا أمسية غاية في الروعة ضحكنا فيها حد البكاء.

 كل ذلك ربما يغير التفكير المتوارث عن الأستاذات الجامعيات بأنهن صارمات لا يملن للمرح، كنا نُنّهكُ من العمل و نخرج لنرفه عن أنفسنا. كما نظرة الناس هنا للأستاذ بأنة انسان طبيعي له الحق في الأستمتاع بكل مباهج الحياة، و كلما كان مرحاً أكثر، كان طبيعياً أكثر.  أما رأي الناس في بلدي  فمختلف، مع أنني أرى أن الوصف الصحيح له يجب أن يسبق حرف التاء فيه خرف الخاء.


كل هذه الأحداث قد مرت على ذاكرتي و أنا  في الطريق متجهة إلى شقة أريج. و ما إن وصلت، حتى ركضت إليها بشوق و احتضنتها فأنا لم أرها منذ ستتة أشهر. همست لي، هناك مفاجأة لك.. التفت فإذا بكوثر تطل علي من خلف الباب!!.
أخذت أصرخ دون وعي مني!! ، أخبرتني بأنها قد وصلت إلى هنا بالأمس فقط في زيارة لأريج أثناء عطلة الحج.
 كنت أظن بأن رحلتي إلى الغرب ستكون ممله يا صديقتي.. أما أن التقي بأريج و كوثر معاً هذا كان فوق تصوري.
كانت سهرة ممتعة جداً، صحبتني أمي فيها.  تذكرنا فيها أيامنا في الجامعة، و مواقفها المضحكة. و حينما جاء وقت العشاء، تباهتا كلاهما أمام أمي بالأطباق الشهيه التي  تشاركتا في تحضيرها أو كما يقول إخوننا التونسيون " تشاركوا في تطييبها" مع أنهن يعمن بأن أمي ستضرب بهن المثل في الطبخ لإسبوعٍ كامل أمامي، متهمة إياي بالتقاعس و عدم الإلمام بأمور البيت و المطبخ.
بالرغم من هذا .. أحسست بالسعادة  يا صديقتي، أقطع كل هذه المسافة من المملكة إلى أمريكا و ألتقيهن هنا!. فعلاً ما أصغر الدنيا.
 وددت لو أنني أستطيع البقاء معهن ليومين أو ثلاثة.  كانت أريج تجلس إلى يميني و قد أخذت الشال الذي أتحجب به و لفته على رقبتها فهي تحب الشالات كثيراً، أما كوثر فلا تزال على بساطتها التي أحبها، كانت ترتدي ملابس مريحة .. كلهن وجدته كما تركتهن.. لم يتغيرن أبداً و كذلك لم أتغير أنا. قضينا سهرة رائعة مليئة بالضحك و الثرثرة حتى ساعة متأخرة من ذلك اليوم.
 بقي أن أخبركِ بأن هناك صفة واحدة تجمعنا يا صديقتي، صفة واحد تربطنا بخيطٍ رفيعٍ خفي. ثلاثتنا قد فقدنا عزيزاً توفاه الموت و سكنت روحه السماء. ثلاثتنا قد ذقنا مر الفقد و لا نزال نحس بأحبابنا حولنا و ندعوا بأن بلاقيهم في جنات ربٍ كريم. 

انتهت سهرتنا بسرعة، و  كان ختامها عناقاً و دعوةٌ صادقة بلقاء قريب يجمعنا بإذن الله في الجبيل، بعد انقضاء دراستنا و انتهاء غربتنا.

ركبنا الطائرة مرة أخرى من الغرب إلى الشرق. كنت سعيدة بعودتي إلى ديتون و إلى جوها العليل، و سعيدة بأنني أحمل في ذاكرتي لقائاً دافئاً لن أنساه. صديقتي، لم يبقى سوى يومٍ واحدٍ على انتهاء عطلتي، و بعدها سيبدأ النصف الثاني من هذا الفصل الدراسي. أملي بأن يمضي الوقت سريعاً و أعود إلى بلادي  سالمة غانمة قد حققت حلمي و حلمكِ بإذن الله.
 

هناك 13 تعليقًا:

alharbisd يقول...

ما أروع اللقاء بعد الفراق
اقرأ تدوينتك وانا ابتسم واتخيل لقاءكم
وهل هناك اروع من قلوب الاصدقاء اذا اجتمعوا
هنيئا لك بهم ياصديقتي :)

غير معرف يقول...

لقاء كالفجر بزغ بعد ليل طويل !!
إشراقة شمس و مُلتقىَ ثري به من السعاده مِداد  كَ السماء  !!
..
وكانهم بحياتكِ تفاحتآن أينعت ذات شروق في واحات الغربه الجدباء بالاصدقاء..!
..
فهنيئآ لفاتنتنا بهم وهنياً لهم بهآ ...
.
.
..
...
عفواً يَ  صداعي السقيم  أرغمتگ ع حروفهآ لآنني أعلم ان بعد سِحر ابجديتها المبآح تَبرى  وفعلاً =") ..

بالأمسِ كُنتُ هُنا

واليوم أيضًا

وأُكررها غداً وبعده

هــّـيا هلموا شيعوني أبجديةً مهشمة لِسطورهآ الفاخره ..

Prof.mn0o0r

غير معرف يقول...

جمالل .. الحمدلله ان انبسطتي برحلتك للغرب *


كانت دكتورتي الجامعيه في السنه التحضيريه تخيرنا انا غرب امريكا ليس منها ! وكأنك تعيدين لي ماتقوله حرفياً :)


لحظه لقاءك بكوثر واريج .. لحظه رائعه ، جنونيه ، انا انبسطت كيف انتي !

ربي يسعدك دوماً *.*

غير معرف يقول...

كُل عآم و أنتِ بخير ❤️

غير معرف يقول...

اود الحديث معك
الجلوس معك
الاطمئنان عليك
و اشياء كثير افعلها معك
ولكن .. اخشى من ان اكون من الذين لم تذوقي الراحه الا بعد تركهم ..

غير معرف يقول...

Lo sm7ty prof.mnor t3gbny ktabatk 3ndk mdona ?

LoLo

غير معرف يقول...

شكراً أنِستي .. 
حاليا امتلك مدونه خاصه هجرتها منذ فتره طويله ..
لكن ثقي بمجرد أن أعود للكتابه سَ ازودك حالا بعنوانها  ..
Prof.mn0o0r

غير معرف يقول...

لااااالااا حسافه وفي الفيس بوك والتويتر ماتغردين بكتاباتك ؟
عفواً حبيبتي بس مايصير تكبتين مواهبك وعودي للكتابه انتظر لاتحرمينا

Ṕŕįņ©ĕ$ṡ ŜằЯ@ђ · يقول...

أماني..
يا رفيقة سفري..
شكراً من أعماق قلبي على وفائك :)

يا رب نبدى ندرس سوى قريب ان شاءالله
الله يوفقنا.

Ṕŕįņ©ĕ$ṡ ŜằЯ@ђ · يقول...

منور..
اخلاصك لهذي المدونة ما تغير من يوم كنت أدرس في المعهد العالي التقني..
كلماتك دايم تعطيني بهجه.. رائعة و لطيفة مثلك.
و الحمدلله أحد شاركني هذا الراي.
ارجعي اكتبي مره ثانيه اشتقت لمدونتك :)

Ṕŕįņ©ĕ$ṡ ŜằЯ@ђ · يقول...

لست ممن ينكر العشرة.
لكنني أفضل الذين يظلن معي إلى نهاية الدرب.

لست كاملة و لكنني أقدر وصل الجميع.

و أقدر كلماتك.
وصل.. يا أنيقة.

غير معرف يقول...

ها انا ابتسم ابتسامتي العريضة وانا اقرأ كلماتك ياسارتي
لا تعلمين كم كانت سعادتي عندما زرتيني ياصديقتي وكم كانت ليلة رائعة
ان نجتمع جميعا مرة اخرى في مكان اخر يبعد الاف الاميال عن نفس المكان الذي كنا نجتمع فيه
شكرا ياصديقتي علـى الوصف المعبر :) الغير منصف :) :)
انتظريني فقريبا سأزورك ان شاء الله ..

غير معرف يقول...

احسستت بعشق صداقه من قراتي لكلامك سمعت باالعشق ؤلكنب تذؤقته هنا

إرسال تعليق

بعد أن تذوقت فنجان القهوه..اترك لي ملاحظه