إلى روح صديقتي القاطنة في السماء.. شذى
توالت الأيامُ بسرعةٍ مدهشة، حتى انتهى النصف الأول من هذا الفصل الدراسي. و بعد جهدنا المضني في المذاكرة للإمتحانات, عمل العُرُض, و التحضير لمجموعات المناقشة ذات المواضيعِ الجدلية المثيرة للأعصاب. و عودتنا في كل مرة بعدها إلى المكان الذي نجتمع فيه "مبنى العاصمة" .. لنشتكي لبعضنا من ظلم المدرسين و لنبدأ حملة السباب و السخط عليهم. الأمر الذي يجعل جميع من في تلك القاعة يلتفت علينا بفضول.. محاولاً فك طلاسم اللغة لمعرفة سبب غضبنا العارم. كل ذلك انتهى مؤقتاً و كُفئنا بإجازة لمدة عشرة أيام على بطولاتنا تلك في أروقة الجامعة.
نعم! إجازه. و هذا يعني بأننا أحرار لنفعل شيئاً مختلفاً عن الدراسة و لو لفترة وجيزة. و في الحقيقة.. فقد تحمس الكل لرحلةٍ جماعية تم الترتيب لها فجأه يا صديقتي.
حدث كل ذلك بسرعة و قبل بضعة أيام. "أبو أنس" زوج دنيا مَر على "راشد" زوج أمل ليشرب معه الشاي في المساء. و خلال حديثهما اقترح عليه الأول أن يذهب الجميع في رحلة لـ Kings Island , حديقة الملاهي العملاقة التي تقع على مشارفة مدينة Cincinnati و التي بدورها تبعد عنا ساعة كحدٍ أقصى في حال التزمنا بالسرعة القانونية. صديقتي، هذه الفكرة جعلت قلبي يرقص فرحاً.. فأنا لم أحض َ بصحبة لمدينة الملاهي في حياتي. ناهكِ عن كون الرحلة تمتد ليومٍ كامل بصحبة سارة و باقي الفتيات، بالإضافة إلى أن إدارة الحديقة تنظم عرضاً مسائياً لاحتفال الهالوين و الذي من المفترض أن يكون في الحادي و الثلاثين من هذا الشهر.. و لكن الناس هنا يحبون الإحتفال به طوال شهر اكتوبر.
بدأت مراسم التجهيز للرحلة بالتأكد من أن الجو صالح للتنزه.. ففي هذا الوقت من السنة يكون الطقس في تقلب مستمر. كانت الظروف المتوقعة للجو في ذلك اليوم ممتازة!, درجة الحرارة 22 مأوية.. الشمس مشرقة و كل شيء متاح لرحلة لا تنسى.
جاء يوم السبت بسرعة.. استيقضت مبكراً من شدة الحماس ، كنت أبتسم لنفسي و أنا أتخيل كمية اللهو الكبيرة التي تنتظرني.. و لم أعلم بأن ذلك اليوم سينقلب إلى رعبٍ حقيقي.
أنا و سارة كنا في طلائع المجموعة, وصلنا في تمام الثانية عشرة ظهراً. طوابير الزائرين كانت تمتد في خطوطٍ طويلة، و لولا أن تنظيم الإدارة للدخول كان ممتازاً لاصطففنا في تلك الحاله لساعاتٍ طويلة. اشترينا تذاكرنا سويةً، ذهب فيصل زوج سارة مع أبي ريثما يأتي باقي الشباب ، أما أنا فقد توجهت مع سارة لبوابة الدخول مباشرة. حديقة الملاهي يا صديقتي كانت مترامية الأطراف. و أول ما سترين حين تدخلينها هي مجموعة من النوافير المصطفة بشكل طولي وسط ما يشبة البركة الواسعة. تلك النوافير تمتد لأمتار عديدة تنتهي بساحة واسعة يقابلها برجٌ هو نسخة طبق الأصل من برج إيفل الفرنسي إلا أنه أقل طولاً منه.
إلتقينا لاحقاً بإنتصار، التي حضرت مع زوجة أخيها أمل و كذلك رضوى. في البداية صعدنا إلى قمة برج "شبيه إيفل" البالغ ارتفاعه 350 قدماً لننبهر بالمنظر حولنا!. كل شيئ تحتنا كان صغيراً! الناس، السيارات، و حتى المظلات الكبيره.. بدت كألعاب الأطفال من على ذلك الإرتفاع.
ثم وقع اختيارنا على أول لعبة نريد ركوبها.. تلك المسماه بـ Drop و هي لعبة تشبة تجربة السقوط الحر من على ارتفاع 13 طابقاً حيث نجلس على كراسٍ مصطفة على شكل حلقة، تقوم بنقلها إلى أعلى رافعة عملاقة حتى تصل إلى ارتفاع معين ثم تترك الحلقة لتقع إلى الأرض بفعل الجاذبية. قالت رضوى إن ركوب هذه اللعبة ضرب من الجنون!!.. فاكتفت بأخذ حقائبنا و الجلوس مع بناتها الصغار "سجى" و "ندى" على الكراسي المقابله للعبة. اصطففنا أنا، سارة، انتصار، و أمل في طوابير المنتظرين.. كان كل من يقف في تلك الصفوف الممتده ينظر إلينا إما بفضول أو باستحقار. أنا و سارة كنا محجبتين، انتصار و أمل متلثمات و لأننا قضينا وقت انتظارنا كله بالثرثرة .. فجذب منظرنا الفريد أنظار الواقفين معنا في الصف. ناهيك عن انه كل ما لَمَحنَا زوجٌ من الأحبه ..تعمدوا التودد لبعضهم البعض بشكل مقزز لسبب أجهله! و الأرجحُ هو لإغاضتنا. فما يكون منا إلا أن نظهر تعبيرات التقزز بشكل واضح أمامهم لينتهي بهم المطاف خافضين رؤسهم، يتجنبون النظر إلينا.
و بعد انتظار دام حوالي ساعة.. جاء دورنا. جلسنا بجانب بعضنا البعض أنا، أمل، انتصار، ثم سارة. و أنا في قمة ارتباكي احكمت إغلاق حزام الأمان و انتهيت من قرائة المعوذات للمرة الثالثة ذلك اليوم. كانت أمل لا تزال تسأل انتصار هل يسمح لي الآن بالنزول من اللعبه؟. و الجواب أتاها عملياً حيث بدأت اللعبة بالصعود إلى أعلى. كلما ارتفَعَت أكثر زادت رغبتي بالهروب و فزعت من أننا لم نصل إلى الإرتفال المطلوب للنفذ سقوطنا الحر!. بدأت بالضحك بشكل هستيري من التوتر.. و أنا أسمع أمل تسأل انتصار.. " ما وصلنا؟" و ترد عليها انتصار " لا باااقي". ثم تدعوا أمل " اللهم اجعلها برداً و سلاماً" فالتفت إليها و قلت لها " هي باااردة أصلاً". فبارتفاعنا لذلك المستوى انخفظت درجة الحرارة بشكل ٍ ملحوظ . فلم يكن من المناسب من أمل أن تقول "برداً و سلاماً". أغمضت عيني و استسلمت لكل ما يمكن أن يحدث بعد أن توقفت اللعبة في أعلى العمود لبرهه... ثم سقطنا.
كان رعباً من نوع مختلف.. أحسست بانعدام الزمان و المكان معاً و كنت خائفة من أن هذا السقوط قد يستمر للأبد. في بداية سقوطنا كنت أسمع صراخ سارة ثم ما لبث إلا أن اختفى. أحسست بأن قلبي قد يتوقف في أي لحظة و بأني لم أودع أحداً من أحبابي بعد.
دام سقوطنا عشر ثوانيٍ فقط.. ثم استقرت اللعبة في مكان قريب من الأرض. نزلت من مقعدي و أنا أرتعش و أضحك بجنون، أبحث عن أحد لأضمه فقد كانت الصدمة ثقيلة علي. أكملنا طريقنا إلى خارج اللعة و نحن نترنح من أثر الدوار.. كنا لا نزال نضحك بهستيريا عندما وصلنا لرضوى التي أفزعها شكنا.
لم نتُب مما فعلناه.. فقد كانت أمل مصرةً على ركوب أحد القطارات ذات السكة الملتوية، فتجهنا إلى ما اعتقدنا أنه (أقلها رعباً) و اكتشفنا فيما بعد كم كنا مخطئين. و مرة أخرى، الكثير من الإنتظار.. لكن هذه المرة امتد انتظارنا لحوالي الساعتين!. الأمر الذي جعل انتصار تنسحب بحجة أنها لم تتناول شيئاً منذ الصباح و بأنها ليست على استعداد لصدمة أخرى. بقيتُ مع سارة و أمل حتى صعودنا على متن القطار. كانتا خلفي بعدة صفوف.. و بعد الصافرة بدأنا بالتحرك.
أحسسنا بأن اختيارنا للقطار كان خاطئاً منذ أن بدأت المقطورة بتسلق منحناً حاداً، كان طوله مساوٍ لطول عمود لعبة السقوط الحر. ولكن في ذلك الوقت كان الأوان قد فات.
لا أزال أتذكر شكلي و أنا متشبثة بكل قوتي بالمقعد و أردد " بسم الله، بسم الله"، و القطار يسير بجنون و أنا لا أفكر الا في أمر واحد. أريد لهذا الشيء أن يتوقف. لا أدري أكانت الدموع التي تنهمر من عيني دموع خوف أم أن الهواء الداخل لعيني قد جففها فانهمرت الدموع لترطيبها.
كان رأسي لا يزال يدور.. حينما توقفت مع سارة و أمل في متجر التذكارات الملاصق للقطار لنرى الصور التي التقطت لنا و نحن في وسط اللعبة. سارة و أمل كانتا تضحكان بشكل مرعب، أما أنا فقد كان تعبير وجهي كمن رأى شبحاً أمامة. استمر ضحكنا على تلك الصور مدة طويلة، حتى وجدنا باقي الفتيات و توجهنا إلى طاولة هادئة لشرب القهوه و تناول وجبة خفيفة. فقد أنهكنا الجوع و الفزع طيلة النهار.
أحسسنا بأن اختيارنا للقطار كان خاطئاً منذ أن بدأت المقطورة بتسلق منحناً حاداً، كان طوله مساوٍ لطول عمود لعبة السقوط الحر. ولكن في ذلك الوقت كان الأوان قد فات.
لا أزال أتذكر شكلي و أنا متشبثة بكل قوتي بالمقعد و أردد " بسم الله، بسم الله"، و القطار يسير بجنون و أنا لا أفكر الا في أمر واحد. أريد لهذا الشيء أن يتوقف. لا أدري أكانت الدموع التي تنهمر من عيني دموع خوف أم أن الهواء الداخل لعيني قد جففها فانهمرت الدموع لترطيبها.
كان رأسي لا يزال يدور.. حينما توقفت مع سارة و أمل في متجر التذكارات الملاصق للقطار لنرى الصور التي التقطت لنا و نحن في وسط اللعبة. سارة و أمل كانتا تضحكان بشكل مرعب، أما أنا فقد كان تعبير وجهي كمن رأى شبحاً أمامة. استمر ضحكنا على تلك الصور مدة طويلة، حتى وجدنا باقي الفتيات و توجهنا إلى طاولة هادئة لشرب القهوه و تناول وجبة خفيفة. فقد أنهكنا الجوع و الفزع طيلة النهار.
حل المساء.. و بدأ رعبُ من نوعٍ مختلف. بدأت آلاتٌ بإطلاق ضبابٍ صناعي و انتشرت الكثير من التماثيل المخيفه هنا و هناك بالإضافة إلى حبات القرع العملاقه محفورٌ عليها أشكالٌ غريبة. توابيت و هياكل عظمية و غيرها من ديكورات احتفالات الهالوين. كانت الموسيقى المرعبة تسمع في كل مكان.. أصوات ضحك مرتفعه و صوت موسيقى فيلم Adam's Family و الكثير من المقطوعات الموسيقية المؤداه بواسطة البيانو القيثاري ذي الصوت المزعج. كانت لافتات التحذير من إبقاء الأطفال من هم دون سن الثالثة عشرة في كل مكان. أحسست بأن المكان صار مرعباً حقاً بعد أن غابت الشمس، شُغلت مصابيح النيون، و انتشر أشخاصٌ يرتدون أزياء تنكرية، و وصلت فرقة خاصة لتفتيش اي شخصٍ يدخل المكان من احتمالية حيازتة لأي مادة حادة تحسباً لقيام البعض بافتعال أحداث شغب بمناسبة الهالوين. يال كل هذ!! ألم ننتهِ من رعبِ النهار ليأتينا رعبُ الليل؟. خرجت أنا وسارة مبكراً.. فقد كنا مرهقتين من كل ذلك التوتر. ودعنا باقي الفتيات و مضيينا في طريق العودة.
كانت التجربة في غاية الروعة يا شذى.. سعيدة بأنني أستطيع التصرف على سجيتي، كما أنا دون أن يحكمني بريستيجٌ أو نظرة أناسٍ حللوا شيئاً على أنفسهم و جعلوه علي محرماً. سعيدة بأنني ضحكت من صميم قلبي، سعيدة بأنني استمتعت مع صديقاتي، سعيدة بأنني لعبت و جربت الرعب معهن سعيدة بأنني أستطيع أن أكون أنا كا كنت في السابق معك. سعيدة بكل هذا وأحمد الله على تلك الرفقة.
وصلت إلى البيت و أنا في قمة التعب.. و نمت بدون أن أحس بشيء لينتهي يوم السبت بسلام و ينتهي رعبهُ و جنونه.. بنومٍ عميق.
وصلت إلى البيت و أنا في قمة التعب.. و نمت بدون أن أحس بشيء لينتهي يوم السبت بسلام و ينتهي رعبهُ و جنونه.. بنومٍ عميق.

هناك 10 تعليقات:
وناسسه رحلتكم :)
عساها دوووم هالسعاده سارووونه
تعجبني جميع صفاتك ولاكن براءة الاطفال تميزك يعجبني وفائك لشذى رغم اني لا اعلم غير اسمها ولكن احببتها رغم بعدها.
حتندمي خليكي معانا D:
مـبدعة » مـذهلة. سـارونـتي كانت رحله ممتعه برفقتك هنيئا لي. فيـك «
صدقيني ياحبيبتي من حسن انتقائك ودقة اختيارك للكلمات حسيت كأني موجوده معكم الله يسعدك ويفرحك بهذه الصحبه الصالحه وجعل امبساطكم اليوم ودوم
أماني يا جميلة..
نقصنا وجودك معانا .. الله يسعد قلبك يا روحي :)
دنيا المدني..
اعرف اني "حَ أندم " إذا ما جلست معاكم..
الله يحقق لك ما تتمنين و ربي اني أحبك.
انتصار.. مراح انسى ذاك اليوم أبداً
استمتعت فيه كثير.. واستمتعت أكثر بصحبتكم..
الله يخليكم لي :)
أمي يا نور عيوني..
الله لا يحرمني وجودك..
ان شاءالله الطلعة الجايه تكونين معانا..
لا أُدرك بالفعل كم يعني لي هذا المساء البهي بِ خبر سعادتك ؟!
أحداث ثائره للغايه كل حرف من تلك التدوينه يجبرني ع الحرف الذي يليله بشغف حقاً جنوني !!
تسلل عجيب "
حب مغامره
يتبعه شي من خوف
ثم رعب لايهفت
وبعدها استرخاء بضحكات هِستيريه
< أكآد بتراتيل وصفك الرائع وكاني خلفكم بصمت =")
ممتعه للغايه القراءه في تفاصيل سعيده كَ تلك ..~
سُعدت جدا بسعآدتك
اختتم تعليقي ب ِحمداً لله ع سلآمتگ =")
دآمت ايآمك عامره بالسعاده
Prof.mn0o0r
رؤووووعهه ؤؤوربكك $$ الله يهنيكم ويسسعدكم ﻱ͠ رربب ويررزقنني بصصحبات مثل صصحباتك ، استمتعت ككثير وأنا أقررراء ،»متابعه لكل شيء تكتبيه ♥
إرسال تعليق
بعد أن تذوقت فنجان القهوه..اترك لي ملاحظه