الجمعة، 5 أكتوبر 2012

نزهة في " حديقة الذكريات "..


إلى روح صديقتي القاطنة في السماء.. شذى

تبدل الجو سريعاً، بدأت الرياح تشتدُ جالبة معها سحباً كثيرة. و على إثرها.. أَخَذت أمطارُ شهر أُكتوبر تنهمر بغزارة بشكلٍ شبه يومي، تاركة بركاً صغيرة على أطراف الطرقات، و التي سرعان ما تجف عند ظهور الخيوط الأولى لأشعة الشمس بسبب نظامِ تصريف الأمطار الممتاز هنا. أما الأشجار فتبدلت ألوانها من الأخضر الزمردي إلى درجات البرتقالي ,الأحمر الناري, الترابي مع القليل من اللون البنفسجي الخفيف. و استحالت جذوعها إلى لونٍ داكن.. و كأن تلك الأشجار قد اكتست حُللاً من صُنع الرحمن في عرضٍ مميز لأزياء الخريف.

و على ذِكرِ الخريف!.. فقد حضينا بإجازةٍ يوم الجمعة بمناسبة قدوم الفصل الجديد. مجموعتي الصغيرة التي تعرفت عليها .. "رفيقات السفر" كما أُسميهُن عزمن على الإستفادة من ذلك اليوم مهما كلف الأمر. و ذلك بتنظيم نزهةٍ إلى حديققة حيهن.. و التي أسميتها فيما بعد بـ " حديقة الذكرات ", و سأخبرك بسبب تسيميتي هذه لاحقاً.
صديقتي، الحديقة جميلة جداً, تقع على أطراف حي Fair Field Lakes. و الذي يبعد عن حينا مسافة لا بأس بها. تتوسط الحديقة مظلة ضخمة من الخشب  تحتها مساحة واسعة للجلوس و بجانبها طاولة و كرسي طويلان، وعلى بعد عدة أمتار من المظلة توجد مجموعة من ألعاب الأطفال و الأرجوحات. محيط الحديقة مزروع بالأعشاب الخضراء و على أطرافة يقبع ممشى صغير يستغله السكان لمزاولة رياضة المشي و التنزه مع كلابهم الأليفة. كما يفصل الحديقة عن بيوت الحي التي تحيط به شارع ضيق.
 
سأكون صرحة معك.. تصميم الحديقة ذكرني بحي "الحجاز" الذي نشأت فيه يوم كنت طفلة صغيرة. نفس تفاصيل المكان ، منعطفات الشوارع و الكراسي المنتشرة هنا و هناك.. ترتيب البيوت و الإنارة الخافتة, كل ذلك جعلني لوهلة أتخيل حديقة حينا و كيف كنت ألعب فيها مع إخوتي. لم يكن التشابه بين المكانين محض صدفة.  أنتي تعلمين أن حي الحجاز القديم قد صُمم و بُنيَ من قبل شركة أمريكية ، و حيث أن هذا الحي قديمٌ هو الأخر فلا عجب من تشابههما..  تصاميم الأحياء الأمريكية المنشأة في الثمانينات كلها كذلك. ثم إن وجودي في حديقة تذكرني بطفولتي، جعلني أسميها دون تردد.. بـ "حديقة الذكريات".

صديقتي، حل المساء..  كنت أخر من وصل إلى الحديقة كالعادة.. رأيت الفتيات قد فرشن بساطاً كبيراً تحت المظلة، و توسط البساط مؤنة الرحلة .. الشاي، القهوه، أكياسٌ من رقائق البطاطا و الكثير من الحلويات و الكعك. كنا في مجموعنا 7 و أنا الثامنة، جلست أمل "أم فهد" بجانبي و بجانبها جلست دنيا "أم أنس"، ثم عنود "أم ابراهيم"، تليها أمل "أم محمد" ثم انتصار، و بجانبها جلست فتاة لا أتذكر اسمها. كان أولادهن يلعبون بالأراجيح و يتسابقون بالدراجات عبر الممشى حولنا .. كنا نسمع أصوات ضحكهم من بعيد. و كلما اشتد بهم الجوع من كثرة اللعب تهافتوا على أمهاتهم يطلبون بعض الكعك و رقائق البطاطا. أكبر الأولاد كانوا أطفال دنيا "أنس","دانة"، و الصغير "ابراهيم". و كذلك ولد أمل "محمد" كانوا تقريباً في الصفوف الأولى من المرحلة الإبتدائية. أما البقية فكانوا صغاراً تعلموا المشي حديثاً أو في سن الحضانة كـ  "ابراهيم" ابن عنود و "فهد" ابن أمل الذي لم يجد مكاناً أفضل من حضن أه ليجلس فيه .. كم أحب ذلك الطفل.

مر الوقت سريعاً دون أن نشعر.. أخذنا الحديث و الضحك و لم ننتبه إلى أن الشمس قد غربت تماماً منذ برهه!.  أصَرّت دنيا على أن أجلس  في بيتها إلى أن يمر أبي ليأخذني، فالمكان حول الحديقة كان عارقاً في الظلام و لم يكن من الأمان تركي لوحدي أنتظر هناك. و فعلاً بدأت رحلة العودة إلى البيت.. كل الفتيات يسكن على مقربة من بعضهن.. فمشينا سوياً طوال الطريق.
 كان منظرنا و نحن نسير في الشارع حاملين سلال الرحلة و معنا الأطفال الصغار ..و باقي الأولاد على دراجاتهم يتسابقون حولنا في قمة الغرابة. أمل تحمل ولدها فهد و عنود تحمل ابراهيم ، دنيا تجر عربة مليئة بالسلال .. أما انتصار فقد كانت تستمتع بأخذ جولة على دراجة أحد الأولاد. و كلما مر أمريكيٌ بسيارته بمحاذاتنا و رأى ذلك المنظر.. توقف لبرهة ليتأكد من أن المجموعة الكبيرة ذات الشكل الغريب و التي تسير في الظلام .. من بني البشر و ليسوا أطيافاً!! .
 وصلت لبيت دنيا القابع في اخر الشارع .. كان دافئاً و مريحاً كما صاحبته..انتظرت أبي لفترة وجيزة ريثما وصل.. ثم ودعتها مسروره.

مررنا في طريقنا بتلك الحديقة.. و ابتسمت حين لمحتها . أصبحت من أماكني المفضلة لأنني دفنت فيها ذكريات مضت.. و أفكاراً لأحداث كثيرة على وشك أن تبدأ في فصل من فصول حياتي. صديقتي، اعذريني على الإطالة فأنا حقاً مأخودة بنزهتي إلى حديقة الذكريات و أردت أن أخبرك عنها.
 استميحك عذاراً  يا شذى فقد أنهكني التعب و فراشي يناديني لغفوة طويلة. تصبحين على خير.

هناك 5 تعليقات:

alharbisd يقول...

حديقه الذكريات
كعادتك سارونه في كل جلسه في هذا المقهى تحملينني لعالم آخر
اسافر بعيداً معك الى عالم الذكريات
استمتع بقرآءة كل ماتكتبين سارة وارى جمال روحك بكلماتك
رآئعه انتي ياصديقتي

بوح قلم يقول...

جميله هي الذكريات
دائما ما تكون وقودي للإستمرار في التقدم
كما هو جميل الابحار في مقهى الرصيف
أتمتع وأنا أتذوق قهوه امتزجت بجميل أحرفك
دمت كما أنت
أختك ندى الغامدي

بوح قلم يقول...

جميله هي الذكريات
دائما ما تكون وقودي للإستمرار في التقدم
كما هو جميل الابحار في مقهى الرصيف
أتمتع وأنا أتذوق قهوه امتزجت بجميل أحرفك
دمت كما أنت
أختك ندى الغامدي

غير معرف يقول...

بوحك لصديقة طفولتك وصديقة عمرك
قمه في الروعه .. ووصفك للنزهه جميل جدا كما هي روحك

sara.f

غير معرف يقول...

رائعه ياساره ..تحمست وانا اقراء ذكرياتك لبى انتصار الله يسعدكم مع بعض ،فديتك انتبهي لنفسك ولنوسو معك
اكيد ماراح تعرفيني
انا صاحبتها

إرسال تعليق

بعد أن تذوقت فنجان القهوه..اترك لي ملاحظه