إلى روح صديقتي القاطنة في السماء.. شذى
امتد الشتاء طويلاً يا صديقتي.. حتى خلنا أنه لن ينتهي أبداً.
انتهى شهر يناير، فبراير، و ها قد شارفنا على انتصاف شهر مارس.. و نحن نكاد لا نودع إعصاراً، إلا و نستقبل عاصفة ثلجية!! و درجات الحرارة هنا تقفز أعلى و أدنى درجة الصفر بشكل جنوني!! و أصبح الفرق في درجات الحرارة يتجاوز الأحدعشر درجة خلال اليوم الواحد.
حتى البط و الوز البري يا صديقتي قد مل هذا الشتاء الطويل، و عاد إلى عجرفته المعهوده،، يجوب الطرقات و أطراف الاحياء السكنية بحثاً عن سكان كرام يطعمونهم، أو عن بركة هادئة يعومون فيها حتى غروب الشمس. حينها يبدأون بالتحليق عالياً، و يملؤن سماء المدينة الهادئة بصياحهم المزعج.
أما الصباح؟ فماذا أخبرك عن جمال الصباح الشتوي يا شذى؟
يبزغ نور الشمس متأخراً من خلف البيوت المصطفة في الأفق، و تبدو خلفها الأشجار العالية كالأجمة الصغيرة من بعيد.
و حتى بعد أن توشك عقارب الساعة أن تصل إلى السابعة و النصف صباحاً، تكون الشمس لازالت تقاوم سكون اخر الليل. فتغير لون السماء تدريجياً إلى درجات البرتقالي ، و الأصفر الذهبي. كأنها تستيض من النوم بكسل، و تنفض عن سماءها اثار النجوم و القمر، الذي لا يزال يلوح في الأفق، و لا يلبث إلا أن يختفي بعد أن تطلع الشمس بالكامل.
منذ أن انتقلت إلى سكني الجديد، و الذي يتميز بشرفاته العالية الواسعه.. و أنا أحب الشروق و الغروب. "بلكونة" الصالة تطل مباشرة على مسبح العمارات السكنية التي أقطنها، و بما أن الجو لا يزال بارداً، فإن المسبح مغطى بالكامل بما يشبه الشبكة.
و حول المسبح تنتشر شجيرات البلوط دائمة الخضرة، و على أحد أطراف الساحة الكبيرة توجد مشواة كبيرة تعمل بالكهرباء،، يستعملها نزلاء السكن لإقامة حفلات الشواء حينما يميل الجو إلى الإعتدال،، أما الأن فلا تزال هذه الساحة مهجورة، بالرغم من عدد الشقق المطلة عليها.
و مع أنها مهجورة، إلا أن منظرها دائما ما يسحرني،، حينما أستلقي فجراً على الأريكة المريحة، و أواجة الباب الزجاجي "للبلكونة" أتأمل اتساع السماء يا شذى،،
يالها من سماء شاسعة ممتده! سبحان من سواها..
غالباً ما أرى الطائرات الصغيرة تعبر السماء الزرقاء الصافية، راسمة خطاً واضحاً في الأفق، بالتأكيد انطلقت من القاعدة الجوية القريبة منا،،فأتمنى حينها بأنني أطير كل يوم إلى جامعتي!! لإن تحقق ذلك يا شذى؟ حتما سأكون مسرورة!!
تبدأ السماء بالتحول إلى الأزرق شيئاً فشيئاً،، و أبدأ بالإبتسام لتلك اللوحة البديعة.
تلك كانت اخبار الطقس،، أما عني،،
فسأحكي لك ما حدث قبل عدة أيام يا شذى،،
حين استيقظت برغبة قوية أن أجلس في مكان هادئ لاحتساء القهوة. عندها فقط فاجأتني زميلتنا أماني بطلبها مني أن أراها في مقهاي المفضل "بانيرا" و الذي نتقابل فيه عادة لحل واجباتنا. لكن هذه المره "بلا واجبات". فقط انا و هي و كوب القهوه،،
في الحقيقة يا شذى، كانت فكرة أن أزور مقهى بانيرا لمجرد احتساء القهوة شيئ دفعني للابتسام طوال ساعتين فأنا أحب ذلك المكان كثيراً.
أصطحبت معي دفتر الرسم و أقلام الفحم، فقد كنت اعمل على رسم "أمي في صغرها". كنت أقتبسها من صورة قديمة لها، مع تجنب رسم تفاصيل الوجه طبعاً.
وصلت المقهى مع أماني،و من بعيد.. جذبتنا ألوان لافتته الهادئة، و المظلات أعلى نوافذه الواسعه. مخططة بالبنفسجي، الأصفر الخفيف، و الأخضر. ما إن تدلف إليه حتى تجتاحك رائحة المخبوزات اللذيذة، و يستقبلك طابور طويل من الزبائن المصطفين أمام طاولة المحاسبة، ينتقون لأنفسهم طعام الغداء أو كوبا من القهوة الساخنة. تقابلك منذ دخولك تلك الأرفف الملئ بالخبز الفرنسي الطويل، و شرائح "البريد" الطازج و المعد للتو في مخبز المقهى. تليها صفوف من الكعك و الحلويات، و التي اشتهر المقهى بإعدادها. كعكة الشوكولاته، كعكة الجزر، و حتى حلوى بالبرتقال، و العديد من أنواع البسكويت الطازج. تعلوها لافتات كبيرة تحوي قائمة الطعام، و مزينة بصور فاتنة للكعك و المعجنات. و على اليمين تجدين يا شذى ركن القهوة، حيث أنواعها في "ترامس" مصطفة على طاولة،، بجانب مناديل ورقية و بعض توابع القهوة. كالحليب و السكر،،
و تتوسط المكان مدفئة على الطراز القديم، تمنح المكان دفئاً رائعاً و جواً محبباً.
و على الجانبين،، اصطفت الطاولات بشكل عشوائي، تحيط بها كراسي خشبية مريحة، و نوافذ واسعة تطل على الشارع المزحم بالمارة،، و على الجدران عُلّقت لوحات زيتية جميلة، تعرض خبازاً التف حوله سكان المدينة صباحاً.
سألني الموظف كبير السن و على وجهه ابتسامه: "ماذا استطيع أن احضر لك؟"
.. تلوت عليه طلبي، دفعت مسرعة، ثم عدت إلى أماني التي اختارت طاولة اخرى،، غير التي كنا نجلس عليها في كل مرة نأتي لنحل واجباتنا سوية.
قلت لها بأن المكان أجمل عندما لا يكون هناك ما يجبه حله و تسليمه.
حقاً أرى هذى المكان مثالياً لمقهاي "مقهى الرصيف". فأنا هكذا بالضبط أتخيله،،
أتأمل وجوه من حولي باهتمام بالغ، أراقب حواراتهم التي تغرقني في تفاصيل الناس، المدينة، العمل، و الطلاب الذين يأتون محملين بالكتب و الكراسات. يطلبون وجبة خفيفة، ثم يختفون خلف كتبهم و قد شبكوا سماعات هواتفهم المحمولة.
اتأمل تلك التفاصيل و أتمنى نقلها لك يا شذى، لأجعلك ترين من خلال كلماتي،، كيف أن المكان كان يمتلىء برائحة الحياة، و القهوة الداكنة،، و اصوات شتى تحيط بالمكان.
أبداء بسرد افتراضاتي على أماني،،
عندما ارى رجلاً كبيرا في السن، يجلس مع صبي و فتاة يبدو أنهم في عمر المراهقة،،
أقول لها "أتوقع هذا جدهم، و جايين يقابلونه هنا"، و كالعادة تلتفت أماني متصنعة اللا مبالاه. فترد علي "ممكن"
و عندما ترى عيني الملىء بالتفكير تأمرني بالتوقف عن استنتاج العلاقات بين كل ما يحيط بي.
حقاً يا شذى! فعندما كنتي تحدثينني عن صديقتك التي تعرفتي عليها في المدرسة الثانوية "ابتهال" كنتي تنادينها "تفاحة"،، لم أتخيل كيف كنتما تنسجمان حتى التقيت تفاحة في يوم صيفي جميل، عندنا ذهبت للتسجل في الكلية، و كنتٍ و إياها طالبتان في احد المراكز الصيفية التي تستضيفها الكلية.. أتذكر اللباس، تسريحة الشعر، تفاصيل الحوار. حتى تناثر أوراقي على الأرض بعد أن ضحكت معكن طويلاً،، حينها كنت افكر كيف انسجم مع ابتهال، و لم أعلم بأنني سأكون أعز صديقاتها بعدك،، حتى هذة اللحظة. مرت تسع سنوات منذ ذلك اللقاء، و ما أجملها من سنوات تسع.
تعيدني أماني إلى الحاضر فأبتسم، و أبدأ بإكمال لوحة أمي،، أسميتها "ست الحبايب" لأن أمي تحب بأن نناديها به.
أصبحت أعشق حواراتي مع أماني يا شذى، حتى و أنا مشغولة بتظليل "جديلة" أمي الطويلة، كنت أتبادل معها حديثاً عميقاً عن كل شيء. إلى أن لمحت فتاة أمريكة شقراء، كانت قد جدلت شعرها و وضعت زينةً للشعر على شكل زهرة ياسمين بيضاء، قالت لي أماني بأنها ستكون إضافة جميلة للرسمة، فقمت على الفور دون تفكير، متجاهلة طلب أماني بأن أعود على الفور. استاذنت الفتاة بان اخذ صورة لدبوس الشعر، و أريتها رسمتي. استغربت تصرفي العفوي و ضحكت. أعلم أنك لو كنت موجودة يا شذى فلن تستغربي تصرفي ذاك،، فأنا لا أزال أرتجل عفوياً طلباتي من الناس كما كنت أرتجل وضع رأسي على حجرك في الماضي، و حديثي لك عن ذكريات الطفولة.
انقضى اليوم بسرعة، عادت الشمس للهبوط جهة الغرب، و بدأ الناس بالإنسحاب من المقهى.
أتممت مع أماني جولة تسوقية سريعة، ثم هممت بإيصالها إلى البيت.
لكم تمنيت أن أمرك و أمر على ابتهال لنحتسي القهوة ثلاثتنا في بانيرا،،
لكنني انتظر أن اتقاسم معك كأساً لا لغو فيها و لا تأثيم، و أن أبادلك الحديث على سرر متقابلين. فأحكي لك عن كل ما حدث. عن أماني، عن الصباح، عن بانيرا، و عن أشياء أخرى اكتنزت في قلبي.

هناك 5 تعليقات:
كلام رائع ووصف بديع للاماكن واﻷشخاص اللهم حقق لها كل ماتتمناه 😊🌺👍👍
ان أحرف كلماتك تتساقط من لسانك في جمل أجمل من الذهب والألماس ماأجمل ان يستطيع الانسان ان يعبر مايجوب في خاطره ويسطرها في جمل وكلمات عذبة ويرسلها الى من يحب ويحكي له مامر به من الايام واللحظات التي عاشها ومر بها أسعد الله ايامك بالفرح والمسرات وبلغك اعلى مراتب النجاح والفلاح
اكثى شي حبيته انك خصصتي هذه التدوينة لذلك اليوم الجميل اللي كنت فيه بمزاج عالي ماحد يعطيني جوي فيه غيرك
برغم اني قلت لك ماراح أعيدها لكن جدا استمتع بنقاشاتنا الطويله معاك اللي مااحس في ملل ابدا او طول الوقت اللي نقضيه
انتي انسانه نادره ساره ومميزه وانا محظوظه في صداقتك
وانا اقرأ تدوينتك أحس بكميه الفرح النابعه من داخلك وإحساسك الصادق بالوصف .كم هن رائعات شذى وصديقتها. انتظر بشوق لتدوينتك القادمه ♡
وينك ساره ؟ من زمان ماكتبتِ
إرسال تعليق
بعد أن تذوقت فنجان القهوه..اترك لي ملاحظه